محمد بن عبد الملك الديلمي
33
شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية
القلوب ، وما تحويه من جلال عظمتك ، احجبني عن القاطعين لي عنك . . ثم غاب فلم أره . وقال : رأيت في جبل لبنان رجلا أغبرا نحيفا يصلي ، فسلمت فرد ، فما زال راكعا ساجدا حتى صلى العصر ، ثم استند إلى حجر ولم يكلمني فقلت : ادع لي فقال : آنسك اللّه بقربه ، قلت : زدني ، قال : من آنسه اللّه بقربه أعطاه أربعا : عزّا من غير عشيرة ، وعلما من غير طلب ، وغنى بغير مال ، وأنسا بغير جماعة ، ثم شهق فلم يفق إلا بعد ثلاث فقال : انصرف عني بسلام ، قلت : أوصني قال : أحبب مولاك ولا ترد بحبه بدلا . وقال : بينما أنا أسير في جبال أنطاكيا إذا بجارية كأنها مجنونة عليها جبة صوف ، فسلمت فردّت وقالت : ذا النون . . قلت : كيف عرفتني ؟ قالت : بمعرفة حب الحبيب ، ثم قالت : ما السخاء ؟ قلت : البذل والعطاء ، قالت : هذا سخاء الدنيا فما سخاء الدين ؟ قلت : المسارعة إلى طاعة الرب العالمين ، قالت : فإذا سارعت إلى طاعته فهو أن يطلع على قلبك وأنت لا تريد منه شيئا ، ويحك ، إني أريد أن أطلب منه شيئا منذ عشرين سنة فأستحي منه مخافة أن أكون كأجير السوء ، إذا عمل طلب الأجر ، لكن اعمل عظيما لهيبته وعز جلاله . وذهبت وتركتني . وقال : رأيت في تيه بني إسرائيل سوداء قد استبلها الوله من حب الرحمن ، شاخصة ببصرها نحو السماء ، فقلت : السلام عليك يا أختاه ، قالت : وعليك السلام يا ذا النون ، قلت : من أين عرفتني ؟ قالت : يا بطال ، إن اللّه خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ، ثم أدارها حول العرش ، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ، فعرفت روحي روحك في ذلك الجولان ، قلت : أراك حكيمة ، فعلميني ما علمك اللّه ، قالت : يا أبا الفيض ، ضع على جوارحك ميزان القسط حتى يذوب كل ما كان لغير اللّه ، ويبقى القلب مصفى لا شئ فيه غيره ، فحينئذ يقيمك على الباب ، ويوليك ولاية جديدة ، ويأمر الخزان لك بالطاعة ، قلت : زيديني ، قالت : خذ من نفسك لنفسك ، واطلع اللّه إذا خلوت يجيبك إذا دعوت والسلام . وقال : كنت في جبل الكام ، فرأيت رجلا قاعدا مطرقا ، فقلت : ما تصنع هنا ؟ قال : أنظر وأرعى ، قلت : ما أرى عندك إلا الأحجار ، فما الذين تنظره وترعاه ؟ فنظر إلي مغضبا ، وقال : أنظر خواطر قلبي وأرعى أوامر ربي ، فبحق من أطلعك علي ألا رحت عني ، قلت : كلمني بشيء أنتفع به وأذهب ، قال : من لزم الباب أثبت من الخدم ، ومن أكثر ذكر الذنوب